فن الخليج

"أبوطلال" ذاكرة البحر التي لم تنسها كارول مطر خوري

في مرفأ جونية، حيث تختلط رائحة البحر بذاكرة أجيال من البحّارة والصيادين، زارت رئيسة جمعية فارس فتوحي الاجتماعية السيدة كارول مطر خوري، السيد أبو طلال، أحد أقدم قدامى القباطنة في المرفأ، والمعروف بين البحّارة بخبرته الطويلة ودوره في تعليم أجيال منهم أصول المهنة.

 

وجاءت هذه الزيارة بناءً على طلب من أصدقاء المرفأ، في رسالة تقدير واهتمام بأحد أبناء البحر الذين تركوا أثراً في ذاكرة المكان، حيث وقعت مبادرة إنسانية تستحق التوقف عندها، لأنها لا تتعلق بمساعدة عابرة فحسب، بل تفتح الباب أمام قضية اجتماعية وإنسانية قلّما تحظى بالاهتمام الكافي في لبنان: قضية كبار السن الذين أمضوا حياتهم في العمل والعطاء، ثم وجدوا أنفسهم في خريف العمر أمام الوحدة والظروف الصعبة وغياب الرعاية التي تليق بهم.

 

 

أبو طلال يبلغ من العمر سبعة وتسعين عاماً، تختزن سنواته تاريخاً طويلاً مع البحر والمراكب والبحّارة. وعلى الرغم من تقدمه في السن، لا يزال يعيش وينام داخل مركبه في المرفأ، المكان الذي أمضى فيه قسماً كبيراً من حياته، حتى أصبح جزءاً من هويته وذاكرته.

 

 

حضور إنساني وتعهد بدعم شهري.. لمسات كارول مطر خوري تتجاوز المساعدات المادية

 

 

حملت كارول مطر خوري معها ثياباً وأدوية ومستلزمات يحتاج إليها، لكن الأهم كان حضورها الإنساني. فالجلوس إلى جانب رجل في هذا العمر، الاستماع إليه والحديث معه، قد يكون أحياناً أكثر قيمة من المساعدة المادية نفسها.

 

 

وفي لفتة تؤكد أن الاهتمام لا ينبغي أن يكون موسمياً، وعدته بزيارته بصورة شهرية، لأن الإنسان في مراحل عمره المتقدمة يحتاج إلى من يتذكره ويصغي إليه، لا إلى زيارة تنتهي بانتهاء المناسبة.

ولعل ما يميز مبادرة كارول مطر خوري أنها أعادت الإنسان إلى قلب القضية.

 

 

ففي مرفأ جونية لم تكن أمام رقم أو حالة اجتماعية، بل أمام رجل اسمه أبو طلال، في السابعة والتسعين، يحمل في ذاكرته تاريخاً من البحر والمرفأ والمهنة. رجل يستحق أن يُسمع وأن تُحفظ كرامته وأن يشعر بأن المجتمع لم ينسَ ما قدمه.

 

 

من صلب المبادرة.. كارول مطر خوري تُعيد تسليط الضوء على ضرورة “قانون الشيخوخة”

 

 

ومن هنا تبدو قصة أبو طلال أكبر من حالة فردية. فالبحّارة والصيادون الذين أمضوا أعمارهم في مهن شاقة، في مواجهة البحر ومخاطره، يجد كثيرون منهم أنفسهم في الشيخوخة أمام أسئلة صعبة: من يؤمّن الطبابة؟ من يتحمل كلفة الدواء؟ وكيف يعيش الإنسان عندما تتراجع قدرته على العمل ولا تكون لديه شبكة أمان اجتماعية تحميه؟

 

 

هذه الأسئلة تعيد التأكيد على الحاجة إلى قانون للشيخوخة في لبنان، يضمن لكبار السن الرعاية الصحية والاجتماعية ويحفظ لهم حقهم في حياة كريمة.

 

 

فالشيخوخة ليست نهاية لدور الإنسان، ولا يجوز أن تكون بداية مرحلة من النسيان، خصوصاً لمن أمضوا عقوداً في العمل والعطاء.

 

 

مسيرة متعددة الأوجه.. كيف تسخّر كارول مطر خوري موقعها وحضورها لخدمة الإنسان؟

 

وتأتي هذه المبادرة في سياق مسيرة متعددة الأوجه لكارول مطر خوري.

 

 

فهي مصممة أزياء تحمل بصمة خاصة في عالم الموضة، وتحرص على أن تضيف إلى تصاميمها لمسات من الأحلام والرقي، معتبرة أن الأناقة ليست شكلاً فقط، بل إحساس وهوية وتفاصيل. وفي المقابل، هي أم وزوجة، تحمل مسؤوليات الأسرة إلى جانب مسيرتها المهنية والعامة، كما خاضت تجربة في العمل البلدي واقتربت من قضايا الناس وااحتياجاتهم اليومية.

 

 

وقد عُرضت عليها خلال مسيرتها مناصب سياسية وبلدية عدة، في تعبير عن حضورها المتنامي في الشأن العام، حتى أصبحت من الوجوه المعروفة فيه. إلا أن قيمة هذا الحضور لا تكمن في المناصب بحد ذاتها، بل في كيفية تحويل الموقع والعلاقات والقدرة على التأثير إلى فعل يخدم الإنسان.

 

 

وبين عالم الأزياء الذي تضيف إليه كارول مطر خوري لمسات من الحلم والرقي، وعالم العمل الاجتماعي والشأن العام الذي يحتاج إلى الحضور والمسؤولية، تبدو هناك قناعة واحدة: قيمة التفاصيل الصغيرة عندما تكون موجهة إلى الإنسان.

 

رؤية كارول مطر خوري للعمل الاجتماعي: تكريم كبار السن أمانة ورسالة مؤسساتية

 

 

إن تكريم كبار السن وهم على قيد الحياة هو تكريم للذاكرة نفسها. وربما تكون أبسط طريقة للحفاظ على ذاكرة أمثال أبو طلال هي أن نقترب منهم، نستمع إلى حكاياتهم، ونمنحهم ما يحتاجون إليه من اهتمام ودفء وكرامة.

 

 

أما الأمل الأكبر، فهو أن تتحول مثل هذه المبادرات من جهود فردية إلى اهتمام مؤسساتي شامل، بحيث لا يضطر أي مسن في لبنان إلى مواجهة شيخوخته وحيداً.

 

 

فالمجتمع الذي يكرّم أبناءه في سنوات عطائهم، يجب أن يكون قادراً أيضاً على الوقوف إلى جانبهم عندما يحتاجون إليه.

 

ويبقى أبو طلال في مرفأ جونية أكثر من بحّار قديم؛ إنه شاهد حي على زمن من أزمنة البحر، وذاكرة تستحق أن تُصان، وإنسان يستحق قبل كل شيء أن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة وطمأنينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى