الدكتور تامر شلبي: التغيير النفسي قد يكون مؤلمًا لكنه بوابة النور

أكد الدكتور تامر شلبي، استشاري العلاج النفسي، أن التغيير النفسي غالبًا ما يكون مصحوبًا بالألم، لكنه ألم شبيه بألم الجراحة؛ يحمل في طياته شفاءً حقيقيًا إذا ما وُوجه بصدق ووعي. ويرى شلبي أن هذا النوع من الألم ليس مدمرًا، بل هو بوابة لاكتشاف الذات، ودعوة للتحرر والنمو، في حين أن الألم المدمر هو الذي يقود صاحبه إلى الغرق في جلد الذات وفقدان الأمل.
ويشرح شلبي أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، كتحسين السلوك أو العلاقات، بل من مواجهة الجذر النفسي العميق المرتبط بالجراح القديمة. ويشير إلى أن كثيرًا من الناس يقعون في فخ التسرع، فيبحثون عن نتائج فورية، ما يؤدي إلى الإحباط حين لا تتحقق التغييرات بالسرعة التي يتوقعونها.
ويضيف أن الاعتراف الصادق بالمشاعر السلبية وتقبلها هو الخطوة الأساسية قبل أي محاولة تغيير. فالإنكار أو الهروب من الألم الداخلي لا يؤدي إلا إلى تكرار السيناريوهات المؤلمة تحت مسميات مختلفة.
وفيما يخص قراء كتابه، أوضح شلبي أن القارئ لا يحتاج دائمًا إلى دافع قوي ليبدأ رحلة التغيير، فمجرد كلمة أو سطر يمكن أن يكون الشرارة الأولى لبدء الوعي. فالكتاب لا يخاطب فقط من هم مستعدون، بل يحتضن أيضًا الحائرين، المشتتين، ومن لم يستطيعوا حتى الآن تسمية وجعهم. الهدف من الكتاب، كما يقول، ليس الضغط على القارئ، بل أن يقدّم له مرآة صادقة يرى فيها نفسه دون أحكام.
ويعطي شلبي مثالًا واقعيًا لامرأة كانت تكرر نفس العلاقات المؤلمة، معتقدة أن المشكلة في الطرف الآخر، بينما الجرح الحقيقي كان بداخلها، ولم تعالجه. هذه النماذج تتكرر كثيرًا، ويؤكد أن جذور الألم حين تُفهم تُغيّر المصير.
وعن الرسالة التي يتمنى أن تصل من خلال كتابه، يوضح شلبي أنه يتمنى أن يخرج القارئ من تجربة القراءة وهو أكثر تصالحًا مع نفسه، وأكثر فهمًا لجروحه، لا كضعف بل كدعوة للعودة إلى الله وإلى ذاته الأصيلة. ويتمنى أيضًا أن يصبح الإنسان أكثر وعيًا في تربية أولاده، حتى لا يُورّثهم آلامه هو دون قصد.
ويضيف: “أنا ما كتبتش الكتاب عشان أكون معلّم، أنا تلميذ على نفس الطريق، وكتبت وأنا بحاول أضوي شمعة لكل حد ماشي في نفق مظلم.”
ويكشف الدكتور تامر أن أصعب لحظة مرّ بها أثناء تأليف الكتاب لم تكن في عملية الكتابة نفسها، بل في إعادة التواصل مع جروحه الشخصية. فكل صفحة كانت استدعاءً لمشاهد قديمة ومواقف مؤلمة من طفولته، وبعضها كان يظن أنه تجاوزه، لكنه اكتشف أنه لا يزال ساكنًا في أعماقه. ويصف الكتاب بأنه كان بالنسبة له عملية استشفاء حقيقية، ووسيلة للتسامح مع ذاته ومع من مرّوا في حياته.
أما عن مصادر إلهامه، فيذكر شلبي أن رحلته لم تعتمد على مصدر واحد، بل على مزيج من القراءة، والتجربة، والتأمل، والاستماع لقصص الناس. من أبرز الكتب التي أثّرت فيه:
“الإنسان يبحث عن معنى” لفيكتور فرانكل،
“الطريق إلى اللاوعي” لكارل يونج،
كتب الإمام الغزالي، خاصة إحياء علوم الدين،
وأقوال ابن عطاء الله السكندري، خصوصًا الحكم العطائية
كما تأثر بروح جلال الدين الرومي، وعمق كارل يونج، إلى جانب عدد كبير من الأشخاص البسطاء في حياته، الذين شاركوه أوجاعهم بصدق، وكانوا بمثابة “معلمين صامتين” لقلبه.
وينصح الدكتور تامر كل من يفكر في بدء رحلة التغيير أن يبدأها من الداخل، لا من محاولة إثبات شيء لأي شخص. ويقول:
“ابدأ علشان ترجع لنفسك، ترضي ربك، وتعيش في سلام مع حقيقتك. التغيير اللي بيبدأ من الخارج دايمًا هش ومؤقت. لكن لما ييجي من صدق داخلي، بيبقى ثابت، وبيكبر مع كل خطوة وعي.”
ويضيف أن من الطبيعي أن يقع الإنسان، ويشك، ويتعب أثناء الرحلة، لكن المهم ألا يتوقف، وألا يسمح للألم أن يحوّله إلى نسخة لا يرضى عنها.
وفي سياق الحديث عن الأزمات العالمية، مثل الحرب بين إيران وإسرائيل أو الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الدول، شدّد شلبي على أهمية التحصين النفسي في مواجهة هذه الضغوط، معتبرًا أن الخارج غالبًا لا يمكن التحكم به، لكن الداخل هو مسؤوليتنا الكاملة.
وأوضح أن الخوف شعور طبيعي، لكنه يتحول إلى مشكلة حين يسيطر على الوعي. لذلك، من المهم تقوية العلاقة بالله لا من باب الخوف، بل من باب الطمأنينة، وتخفيف متابعة الأخبار، واللجوء إلى التأمل والدعاء، والنظر إلى ما يحدث كرسائل روحية، لا مجرد أحداث عشوائية.
كما دعا إلى الامتنان لنعمة الأمان في مصر، مؤكدًا أن الامتنان طاقة واقية من ذبذبات الخوف، قائلًا:
“بدل ما نغرق في الخوف، نحول اللحظة لفرصة نقول فيها: الحمد لله على نعمة الأمان… وشكرًا يا رب على سترك وكرمك.”
وفيما يتعلق بالفوبيا، أوضح شلبي أن التغلب عليها لا يكون عبر الهروب منها، بل من خلال فهم جذورها بعمق وتعاطف. وذكر حالة لسيدة كانت تعاني من فوبيا شديدة من الموت، تبيّن من خلال الجلسات النفسية أن جذور خوفها تعود لطفولتها، حين كانت ترعى شقيقها من أصحاب الهمم، وشعرت بالذنب حين تُوفي لاحقًا بعد زواجها، بعد أن قال لها والدها عبارة سبّبت لها ألمًا طويل المدى. ومن هنا يوضح شلبي أن كل فوبيا وراءها قصة دفينة أو تجربة غير مفهومة، ومع الوقت والتفكيك والفهم، يبدأ تأثيرها بالتلاشي.
وفي الختام، يوجّه الدكتور تامر شلبي رسالته لكل من يسعى للشفاء:
“التغيير مش رفاهية، ولا مجرد قرار، هو دعوة للرجوع إلى جوهرنا الحقيقي. واللي يبدأ من مكان صادق، حتى لو مش مثالي، هيوصل للنور، بس لازم يكون مستعد يمر من الليل المظلم بثقة وإيمان.”



